آلاء بنت علي بن عبد الله الشهري

  تُعد اللغويات التطبيقية فرع حديث من فروع علم اللغة يهتم بدراسة علاقة اللغة بالعلوم والمجالات المختلفة. وقد تعددت التعريفات لمفهوم اللغويات التطبيقية، فعرفها برومفيت، Brumfit,1997:93) ، مذكور في العصيمي، 2019) بأنها" الاستقصاء النظري والامبريقي لمشكلات العالم الحقيقي التي تكون فيها اللغة قضية أساسية"، كما عرفها كوك (Cook,2003:5   ، مذكور في العصيمي، 2019) بأنها" تهتم بالعلاقة بين المعرفة عن اللغة واتخاذ القرارات في العالم الحقيقي". وهناك تعريفات كثيرة مشابهة لهذان التعريفان، وعلى كل حال فإن المهم ذكره هنا بأن هذه التعريفات تشترك في تأكيدها على دراسة علاقة اللغة بمجالات العالم. وأعاد بعض المختصين ظهور مصطلح اللغويات التطبيقية لعام 1946م، حيث كان يدرس كمادة مستقلة في متشقان في الولايات المتحدة الأمريكية. أما عن ظهور العلم نفسه، فقد تعددت الآراء حول ذلك، فالبعض يرى أن البداية قديمة بقدم اللغة نفسها، ومنهم من يرى أن البداية كانت ببداية الانسجام التام الذي حدث ما بين النموذج الذي ابتكره تشارلز فريزCharles C.Fries  في كتابه المشهور بنية اللغة والتطبيقات (عثمان وجاسم ،2013؛ الشويرخ، 2017). ومع هذا الاختلاف إلا أن بزوغ نظريات تشومسكي وآرائه في كتابه الشهير الأبنية النحوية، التي رفضت النظرة السطحية للغة ودعت إلى التعمق في جوانبها المعرفية تعد محركا رئيسا لهذا العلم.        أما عن مجالات اللغويات التطبيقية فهي متعددة مثل: اللغويات الاجتماعية، واللغويات النفسية، اكتساب اللغة الثانية، تحليل الخطاب، التداولية، تعلم اللغة الثانية، صناعة المعاجم، التخطيط والسياسة اللغوية ... وغيرها من المجالات (عثمان وجاسم،2013). ومن أهم المجالات التي سُلط عليها الضوء مجال اكتساب اللغات وتعلمها، وقد نوقشت من نواحي عدة مثل النواحي الفسيولوجية، والاجتماعية، والنفسية. وقد فرق فيها بين اكتساب اللغة الأولى واكتساب اللغة الثانية، وتعددت الدراسات والمقالات وكذلك المؤلفات التي فرقت بين اكتساب اللغة الأولى واللغة الثانية، والتي ركزت على العلاقة بينهما.  ومن هذه الدراسات دراسة قورى (2012) التي ناقشت أهم القضايا والجوانب الاجتماعية والنفسية والفسيولوجية، وتطرقت لأهم النظريات المتعلقة باكتساب اللغة الأولى وكذلك الثانية، وأيضا تفصيل لأهم العوامل المؤثرة في اكتساب اللغات. وبطريقة مشابهة كشف سمير (2013) عن دقائق أسرار اللغات وتعلمها وفصل في أثر اكتساب اللغة الثانية على الأولى، وتحدث عن أهم طرق تعلم اللغات الأجنبية وأهم النظريات التي تفسر اكتساب اللغة الثانية. واختلفت دراسة عبد السلام (2016) قليلا حيث هدفت إلى الكشف عن العلاقة بين اكتساب اللغة الأولى وتعلم اللغة الثانية من منظور معرفي. وتحدثت الدراسة عن بداية إنتاج اللغة لدي الطفل منذ صغره، ثم إلى الحديث عن تعريف الاكتساب وعن الفرق بين آليات اكتساب اللغة الأولى وتعلم اللغة الثانية وأوضحت الدراسة العلاقة بين اللغة الأولى واللغة الثانية من منظور معرفي، ثم ناقشت الدراسة الأساليب المعرفية في تعلم اللغة الثانية. وفي دراسة حديثة ناقشت أبليلة (2018) كيفية اكتساب اللغة الأولى (الأم) واللغة الثانية ودعمت الموضوع من الناحية النظرية لتفسير الاكتساب بالنسبة للنظرية المعرفية لجون بياجية، النظرية السلوكية (لسكينر وواطس) أو النظرية الفطرية العقلية (لتشومسكي) وكذلك النظرية الاجتماعية (لفيجوتسكي). وصلت إلى أنه يتم اكتساب اللغة الأم وفق مراحل منظمة من الحرف إلى الجمل المركبة وبطريقة تلقائية، أما اللغة الثانية وما يعرف بالثنائية اللغوية فتكتسب بطريقة إرادية وأنماط ثلاثة فقد تكون مع اللغة الأولى، أو بعد اكتساب اللغة الأولى ولكن بطريقة تلقائية وغير منظمة، أو بعد اكتساب اللغة الأولى ولكن بواسطة دراسة مقصودة منظمة، وتحت تأثير عوامل محفزة منها البيئة الاجتماعية والعاطفية والثقافية، بناءً على هذه الاستراتيجيات يكتسب الطفل أو الفرد أو المتعلم اللغة الأم أو اللغة الثانية. هذه نماذج لبعض المقالات والدراسات التي فرقت بين اكتساب اللغة الأولى واللغة الثانية، والتي ركزت على العلاقة بينهما، وفي العناوين القادمة سيُفصل الحديث عن أهم الفروق بين اكتساب اللغة الأولى والثانية. أولا/ اكتساب اللغة الأولى ثمة تصور واضح يفرق بين عملية اكتساب اللغات وتعلمها، فيقصد بالاكتساب هي العملية اللاشعورية التي تنمي مهارات اللغة من غير قصد، أما تعلم اللغة فهو العملية الواعية والمقصودة التي تنمي مهارات اللغة (طعيمة، 1986). هذا عن مصطلح الاكتساب، أما عن اكتساب اللغة الأولى أو الأم فيُقصد به اكتساب اللغة الأولى للإنسان وتكون منذ الولادة. وأهم الجوانب التي يتُطرق لها في هذ الجانب هي مراحل النمو اللغوي لدى الطفل، والنظريات التي تفسر اكتساب اللغة الأولى والعوامل المؤثرة على اكتساب اللغة الأولى، وفيما يلي تفصيل بسيط لهذه الجوانب الثلاثة: 1.مراحل النمو اللغوي: تمر لغة الطفل بمراحل معينة أجمعت معظم الدراسات عليها وهي: 


  • مرحلة الصياح: وهي مرحلة ما قبل اللغة وتمتد منذ الولادة حتى الأسبوع الثالث (العصيلي، 2006).
  • مرحلة المناغاة: وهي تمتد إلى السنة الأولى، وتبدأ بإصدار الطفل سلسلة منتظمة من الأصوات المبتورة أو المتتابعة، وتظهر على هيئة مقاطع متماثلة مثل با، بي، ما، مي... وغيرها (العصيلي، 2006).
  • مرحلة التقليد: وتمتد إلى نهاية السنة الأولى وفيها يقلد الطفل من حوله بأساليب خاصة بعضها يتعلق بالأصوات وبعضها بالأدلة (طعيمة، 1986).
  • مرحلة اللغة الكاملة: والطفل عادة لا يصل لهذه المرحلة إلا بعد تمرين طويل، وعادة يصل إلى مرحلة الاستقرار اللغوي في السادسة أو السابعة من عمره (طعيمة، 1986).

 2.نظريات اكتساب اللغة الأولى: تعددت المداخل والنظريات التي فسرت اكتساب اللغة الأولى أو الأم ومن أهم هذه النظريات: 

  • النظرية السلوكية:

 يرى أصحاب هذه النظرية أن اللغة عبارة هن سلوك استجابي وتخضع لمعادلة(المثير الاستجابة  التعزيز) التي تعود بداياتها إلى العالم الروسي بافلوف pavlov وتجربته على الكلب حيث كان الطعام المثير وسيل اللعاب استجابة آلية ثم يأتي التعزيز وهو الطعام،  ولم يقتصر الأمر على بافلوف فقد أظهر عالم النفس الأمريكي سكينرSkinner  الاشتراط الإجرائي كأحد أساليب التعلم الشرطي وأهتم بدراسة العلاقات بين الحوادث البيئية (المثيرات) وأفعال الكائن الحي( الاستجابات)، وذلك بالبحث عن كيفية إحداث المثيرات تغييرات في السلوك. وقد وفرق سكينر بين نوعين من السلوك وهما: السلوك الاستجابي وهو الذي يحدث نتيجة وجود مثير في الموقف السلوكي، والثاني هو السلوك الاجرائي وهو لا يرتبط بمثيرات محددة مسبقا في الموقف بل عبارة عن كل ما يصدر عن الكائن الحي في العالم الخارجي. وليس ذلك فحسب فقد دلل في كتابه الذي أطلق عليه السلوك اللغوي على أن السلوكيين بمن فيهم سكينر يركزون على النشاط اللغوي الظاهر (العصيلي، 1999؛ الخولي، 2014). بناء على معطيات هذا الاتجاه يُستنتج أن اللغة بالنسبة لهذه النظرية هي عبارة عن سلوك يتأثر بالعوامل الخارجية، وعلى هذا فإن اللغة الأولى تكتسب استجابة للبيئة وتتأثر بشكل كلي بعوامل عدة سنطرق لها لاحقا.   

  • النظرية المعرفية الفطرية (الطبيعية):

 ظهرت النظرية على يد اللغوي الأمريكي تشومسكي الذي انتقد المناهج اللغوية المعاصرة بسبب نظرتها السطحية للغة وعلى أنها سلوك مجرد من المعنى والعقل والتفكير، وبنى نظريته على ما لاحظه من نواقص وخاصة في المذهب السلوكي. ويعد تشومسكي أول من دعا إلى دراسة اللغة الإنسانية دراسة لغوية نفسية معرفية تهدف إلى الكشف عن طبيعة اللغة ونموها في عقل الإنسان(الخولي، 2014). جاءت هذه النظرية ومعها عدد من القضايا والمفاهيم اللغوية والنفسية التي اعتبرها تشومسكي ومن معه ضرورية وأساسية لفهم طبيعة اللغة وأساليب تحليلها واكتسابها، ويمكن تلخيصها في: 

  • الفرضية الفطرية:

 يؤكد فيها أصحاب هذه النظرية أن اللغة فطرة خاصة بالإنسان دون غيره من المخلوقات، وأن اكتسابها فطرة وقدرة عقلية مغروسة فيه منذ ولادته، ويرون بالمقابل أنها ليست سلوكا يكتسب بالمراس والتقليد كما دعا السلوكيون، وأن المادة اللغوية أو الدخل اللغوي هو ما يتلقاه الطفل في بيئة اللغة من كلام، أي أن ما يتلقاه الطفل أقل بكثير مما يكتسبه ويتعلمه (العصيلي، 1999). 

  • أداة اكتساب اللغة LAD:

 وسمي أيضا بالصندوق الأسود الصغير وهو المسؤول عن اكتساب الطفل للغته الأولى، أي أن اللغة ملكة عقلية لدى الإنسان لا سلوك مكتسب، ومن أهم سمات أداة الاكتساب أنها خاصة بالبشر، وتبدأ في مرحلة مبكرة جدا، وتساعد الطفل على معالجة الدخل اللغوي، والقدرة على تمييز الأصوات اللغوية، وأيضا القدرة على إنتاج نظام لغوي مبسط (العصيمي، 2019؛ العصيلي، 1999). 

  • الإبداعية أو التوليدية في اللغة:

 وهي قدرة الإنسان على توليد جمل غير محدودة من عناصر محدودة وقدرته على فهم وإنتاج عناصر اللغة والحكم عليها من حيث الصحة والخطأ ولو لم يسمعها من قبل أو يتدرب عليها(الخولي، 2014). 

  • الكفاية اللغوية والأداء:

 فرق تشومسكي بين الكفاية اللغوية وهي المعرفة الضمنية العميقة للغة أي المعرفة ب(المفردات، والأصوات، والدلالة، والقواعد)، وبين الأداء اللغوي المتمثل في الإنتاج الفعلي للغة متمثلا في الاستيعاب، والكلام، والقراءةـ والكتابة(العصيمي، 2019). وقد نالت ثنائية الكفاية والأداء نصيبا من النقد لاحقا بعد أن كشف هايمز عن الكفاية التواصلية المتعددة. 

  • القواعد الكلية:

 وهي القواعد التي تشترك بها اللغات، وأن اللغات تشترك بنفس الطريقة، ووجود الأسس وهي مشتركة بين اللغات مثل وجود المضاف في أغلب اللغات، ووجود المتغيرات أو القواعد الهامشية مثل اختلاف مكان المضاف وطريقته من لغة لأخرى(العصيمي،2019). 

  • البنى العميقة والبنى السطحية:

 هذه النظرة نابعة من فلسفة عقلانية، وببساطة دعا تشومسكي إلى تحليل ووصف اللغة العميقة لا السطحية، وإن تحليل المستوى العميق من اللغة يقدم معلومات تساعد على فهم المعنى الحقيقي وذلك بالنظر إلى السياق أيضا بجانب المعنى المجرد السطحي( العصيلي،1999). 

  • فرضية الفترة الحرجة:

 يتمثل مفهوم الفترة الحرجة في أنه توجد فترة زمنية محدودة لاكتساب اللغة وعلى الشخص أن يتعلم اللغة خلالها وإلا فإنه لن يكون قادر على اكتسابها وسيحصل ليه عجز لغوي (Benati and Patten, 2010/2017) ج. النظرية المعرفية في اكتساب اللغة: صاحب هذه النظرية هو العالم السويسري بياجيه الذي يرى أن النمو المعرفي هو حصيلة التفاعل بين العوامل البيولوجية والعوامل البيئية، إلا أنه يركز على العوامل البيولوجية (الخولي، 2014). وعلى هذا فإن اكتساب اللغة عند بياجيه يعتمد على العوامل البيولوجية أو النضج، ثم يعتمد على العوامل البيئية والخبرات. د. نظرية التفاعل الاجتماعي: صاحب هذه النظرية هو فايجوتسكي الذي يؤكد على أن قدرة الإنسان على التغير والتطور تمكنه من تسخير الأدوات كوسيلة مساعدة لحل المشكلات الصعبة في الطبيعة وأن العلامات والرموز كالكلمات تدخل لتقابل الأدوات الخارجية، وتعمل كوسائط، إضافة إلى وظائفها المعرفية (الخولي، 2014). ومن هنا فإن اكتساب اللغة يعتمد على العوامل الخارجية والمجتمع بشكل كبير إضافة إلى العوامل المعرفية الخاصة بالمكتسِب. 3. العوامل المؤثرة في اكتساب اللغة الأولى: من أهم العوامل التي تؤثر على اكتساب اللغة الأولى هو عامل الجنس، فقد لوحظ أن الإناث يتفوقن على الذكور في جوانب اللغة. ويعد عامل الذكاء والعوامل العليا للدماغ كالذاكرة والأدراك من العوامل المهمة، إذ أن اللغة هي مظهر من مظاهر القدرة العقلية، وكذلك العوامل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية تؤثر كثيرا في اكتساب اللغة، حيث أن النمو اللغوي يتأثر بالخبرات وتنوعها واختلاط الطفل بالراشدين أثناء مراحل النمو اللغوي (العصيمي، 2019؛ الخولي، 2014). ثانيا/ اكتساب أو تعلم اللغة الثانية: المقصود باكتساب اللغة الثانية هو الحصول على اللغة بشكل لاشعوري وغير مقصود بعد اللغة الأولى، أما التعلم فهو الحصول على اللغة بشكل مقصود ومن خلال دروس أو مناهج منظمة، وقد تكون طرائق تعليم اللغات من أهم الجوانب التي فُصل الحديث فيها، ولكن في هذه الورقة سيتُطرق للجوانب التي تساعد في معرفة الفروق بين اكتساب اللغة الأولى والثانية؛ لذلك سيُسلط الضوء على اللغة المرحلية في اللغة الثانية وفرضيات كراشن  التي تفسر اكتساب اللغة الثانية وأهم العوامل المؤثرة في اكتساب اللغة الثانية، وفيما يلي تفصيل بسيط لهذه الجوانب الثلاثة: 

  • اللغة المرحلية:

        نشأ هذا المصطلح في عام 1972م ، وتُعرف اللغة المرحلية بأنها" لغة الأجنبي في أثناء تعلمه اللغة الهدف، ومراحل النمو اللغوي التي يمر بها في اكتسابه هذه اللغة"(العصيلي، 2010، ص8). وقد تُرجم مصطلح اللغة المرحلية Interlanguage بالعربية إلى عدة مصطلحات، منها: اللغة البينية، واللغة المرحلية. وأما المفهوم اللغوي التطبيقي فيسمى بالنمو المرحلي، وهذا النمو المرحلي كان معروفا من قبل لكن ليس بهذا المصطلح، فكان يعنى قديما بمراحل النمو في اللغة الأولى. ومن أهم سمات هذه اللغة بأنها نظامية أي تسير وفق قوانين شبه ثابتة مهما كانت لغة المتعلم الأم وخلفيته الثقافية وبيئته الاجتماعية، وأنها نامية ومتطورة، لا تتوقف ولا تنتهي في مرحلة معينة، وأيضا إمكانية التحجر اللغوي لهذه المرحلة، الذي يصيب المتعلم    

  • فرضيات كراشن:

  وقد تعددت النظريات التي فسرت اكتساب اللغة الثانية، ولعل أول من خصص نظرية لاكتساب اللغة الثانية هو كراشن في فرضياته الخمس التالية (العصيمي2019، الخولي، 2014): 

  • الاكتساب مقابل التعلم، والفرق بينهما أن الاكتساب غير واعي سواء في اللغة الأولى أو الثانية، والتعلم يكون منهجي عن طريق الدروس والمدرسة.
  • فرضية المراقب، أي عند التحدث يوجد مراقب داخلي يراقب ويصحح، إذا زاد عن حده يسبب التوتر وعدم الانطلاق في التعلم والتواصل.
  • فرضية الترتيب الطبيعي للتعلم والاكتساب، أي أن هناك ترتيب طبيعي للتعلم والاكتساب، وأن أي شخص يتعلم لغة ثانية يمر بنفس المراحل.
  • فرضية الدخل اللغوي، وهنا افتراض على أنه لابد أن يكون للدخل اللغوي وجهان حتى يستفاد منه، وجه معروف والوجه الآخر يزيد قليلا عما هو معروف.
  •   فرضية الراشح الوجداني أو العاطفي، أي أن الجوانب النفسية مثل: التوجه والاعتقادات، والتوجهات، وحب اللغة أو أهلها تؤثر في عملية اكتساب اللغة.

  • العوامل المؤثرة في اكتساب اللغة الثانية:

        لو رُكز الحديث عن العوامل المؤثرة في اكتساب اللغة الثانية، فهناك عوامل بيئية، والتي أوضحت كثير من الدراسات والبحوث أن لها أثر في الاكتساب اللغوي وتعلم اللغة، والمقصود بها الخصائص المميزة لبيئة المتعلم الجغرافية والثقافية والعلمية والسياسية والاقتصادية، فلكل بيئة تأثير فاعل على المتعلم وسلوكياته، وما يؤيد هذا المفهوم هو أن من صعوبات وعقبات تعلم اللغة العربية في غير بيئتها هو فقدان النموذج الذي يحتذي به المتعلم (محمد،2017).        وإضافةً إلى العوامل البيئية، هناك عوامل فردية أو فروق فردية، تؤثر في سرعة تعلم اللغة، وفي مستوى الإنجاز والكفاءة، والاهتمام بدراسة هذه الفروق الفردية والبحث في جوانبها ليس حديثا بل له تاريخ جيد يبدأ من عشرينات القرن العشرين، ولقد ازداد الاهتمام بها في السبعينيات من القرن العشرين. وقد قُسمت الفروقات الفردية إلى أربعة مجموعات أو أقسام: القسم الأول (القدرات) ويقصد بها القدرات الإدراكية لتعلم اللغة، مثل: الذكاء، وأهلية اللغة، والذاكرة، والقسم الثاني (النزعات) ويقصد بها الصفات الإدراكية والعاطفية تشمل الجاهزية والتوجه لتعلم اللغة، مثل: أسلوب المتعلم، والدافعية، والشخصية، والاستعداد للتواصل، أما القسم الثالث (آراء المتعلم عن تعلم اللغة الثانية) ويقصد بها المفاهيم والمعتقدات حول تعلم اللغة الثانية، وأخيرا القسم الرابع (أفعال المتعلم) ويقصد بها استراتيجيات المتعلم(Davies and Elder, 2016). ثالثاً/ نظرة عميقة بين اكتساب اللغة الأولى والثانية        إن المقارنة بين اكتساب اللغة الأولى والثانية من أهم الموضوعات التي مازال البحث فيها مستمرا، ويرى البعض أن مقارنة اكتساب الطفل للغته الأولى باكتساب البالغ للغة الثانية أمر غير منطقي، إذ من الأفضل مقارنة اكتساب الطفل للغته الأولى مع اكتسابه للغة الثانية، وعلى كل حال فالمقارنة مفيدة وتحتاج لنظرة عميقة، وبعد عرض أهم القضايا في اكتساب اللغة الأولى والثانية، وبعد الرجوع لبعض المؤلفات التي فرقت بين العمليتين مثل: )Brown 1980/ 1994) وطعيمة (1986)، والشوريخ (2016) يمكننا عرض أهم أوجه التشابه والاختلاف في: 

  • يتشابه اكتساب اللغة الأولى واكتساب اللغة الثانية في الممارسة، أي أن الممارسة مطلوبة في الحالتين كي يصل مكتسب اللغة إلى درجة عالية من الكفاية اللغوية.
  • يتشابه الأمر أيضا في التقليد، أي أن العمليتين يحصل فيهما التقليد للنمط المسموع المتردد بكثره حول مكتسب اللغة، ويتفاوت الأمر بكل تأكيد بين العمليتين إلا أنه موجود.
  • يتضح التشابه في الفهم وفي ترتيب المهارات، أي أن أول المهارات التي يكتسيها أو يبدأ بها مكتسب اللغة هي مهارة فهم المسموع ثم تلحقها المهارات الأخرى مثل الكتابة فالقراءة ثم الكتابة.
  • أيضا وجود المدخلات اللغوية أمر ضروري في كلتا العمليتين، أي أنه لا يحصل اكتساب للغة الأولى أو الثانية بلا مدخلات لغوية، وأيضا يتأثر تطور اللغة بهذه المدخلات، فإذا كثرت المدخلات تطورت اللغة، والعكس صحيح.
  • وجود الفترة الحرجة، والبعض يسميها المرحلة المثالية، والمقصود فيها وجود فترة زمنية أو عمرية معينة- حددها البعض من 7إلى 12- إذا تجاوزها مكتسب اللغة فإنه من الصعب عليه إتقان اللغة أو الوصول إلى كفاية لغوية متقدمة، والأصل وجودها في اللغة الأولى، والبعض يرى أن الأمر منطبق على اللغة الثانية، وقد أجريت بحوث عدة في اللغة الأولى والثانية لتحديد هذه الفترة معتمدة على الجوانب العصبية والوجدانية ... وغيرها.
  • أما بالنسبة لأوجه الخلاف فنلحظ أن الدوافع تختلف في اكتساب اللغة الأولى عن اللغة الثانية، إذ أن اكتساب اللغة الأولى أمر حيوي في الكائن الحي البشري يتوقف على تعلمها إشباع حاجاته وتلبية لمطالبة، فاكتساب اللغة الأولى دافعه داخلي يجعل اكتساب اللغة مطاب ضروري لإشباع الحاجات، أما اكتساب اللغة الثانية دوافعه خارجية مصدرها حاجات طارئة يريد إشباعها وأغراض يرجو تحقيقها.   
  • يوجد اختلاف في البيئة اللغوية، حيث أن اللغة الأولى تكتسب في بيئة ثرية بالمدخلات اللغوية، أي المفردات الكثيرة، والتراكيب الصحيحة، والمفاهيم الدقيقة، بخلاف متعلم اللغة الثانية إذ غالبا يتم تعلم اللغة الثانية في غير بيئتها، وفي حالات معينة يتم تعلمها في البيئة نفسها، وهنا تخف حدة الاختلاف.
  •  اختلاف النموذج اللغوي، أي أن تعلم اللغة في بيئتها يوفر نموذج مثالي يحتذى به، بخلاف تعلم اللغة في غير بيئتها، إذ أن النموذج يكون مفقودا أو ضعيفا.
  • اختلاف الوقت، فاللغة الأولى نشاط يستغرق وقت الطفل كله ومنذ ولادته وبدون حدود زمنية، أما تعلم اللغة الثانية فهو عادة يعتمد على مدة معينة ولا يتم الأمر منذ الولاد مثل اللغة الأولى.
  •  يوجد اختلاف في النواحي العقلية بين مكتسب اللغة الأولى والثانية، فالذاكرة والتركيز والتجريد تكون عند الطفل أو مكتسب اللغة الأولى أقصر وأضعف مدى من الكبير، وهذا الأمر يصب في صالح تعلم اللغة الثانية.
  • أيضا من أهم أوجه الخلاف التداخل اللغوي بين اكتساب اللغة الأولى وتعلم اللغة الثانية ما يسمى بالتداخل اللغوي، فالطفل أو مكتسب اللغة الأولى يكتسب لغته دون تصور لأنماط لغوية سابقة، أما متعلم اللغة الثانية فإنه عادة يتعلم اللغة وقد ترسخت في ذهنه أنماط لغوية سابقة من لغته الأم تتداخل أيجابا أو سلبا في لغته الثانية.
  • اختلاف نوع المعرفة أو التعلم ففي اكتساب اللغة الأولى التعلم ضمني وهو استنباط المعرفة اللغوية وتخزينها بطريقة آلية وبدون شعور، أما في اللغة الثانية فالتعلم صريح أي تستنبط المعرفة اللغوية بطريقة مقصودة وبشعور.
  • خاتمة:

        إن الاهتمام بقضايا الاكتساب يعد جانبا مهما ومجالا خصبا حتى الآن، وإن النظر في أهم الفروقات بين اكتساب اللغة الأولى والثانية وتسليط الضوء على أهم العوامل المؤثرة في اكتساب كل نوع، يساعدان كثيرا في معرفة الطرق والأساليب التي تسهل عملية التعليم وخاصة فيما يتعلق باللغة العربية، فأغلب الدراسات المهمة هي دراسات للغات غير العربية، فما زلنا نحتاج لدراسات طولية تكشف أهم العوامل المؤثرة على تعليم اللغة العربية، وكذلك دراسات النمو المرحلي وغيرها من الدراسات المتخصصة في اللغة العربية. والتي تكشف عن جوانب دقيقة في اكتساب اللغة العربية لغة أولى أو ثانية.             


  المراجع ابليلة، رقية. (2018).اكتساب اللغة الأولى والثانية. مجلة آفاق علمية. 15، 224-29. باتن، بيل فان وبيناتي، إليساندروج. (2017). المصطلحات المفاتيح في اكتساب اللغة الثانية. (ترجمة عقيل الشمري ومنصور مغيري). الرياض: دار جامعة الملك سعود للنشر. (2010). براون، د. (1414). مبادئ تعلم وتعليم اللغة، (ترجمة إبراهيم القعيد وعيد الشمري). الرياض: مكتب التربية العربي لدول الخليج. (العمل الأصلي نشر في عام 1980م). الخولي، أحمد عبدالكريم.( 2014).اكتساب اللغة نظريات وتطبيقات. عمان: دار مجدلاوي للنشر والتوزيع. ديفيس، آلن وإلدر، كاثرين (2016). المرجع في اللغويات التطبيقية.  (ترجمة ماجد الحمد وحسين عبيدات). الرياض: دار جامعة الملك سعود للنشر. سمير، معزوزن. (2013). اكتساب اللغة الثانية وأثره على اللغة الأولى. مجلة الممارسات اللغوية. 20، 45-68. الشويرخ، صالح. (2016). قضايا أساسية في تعليم اللغة العربية. الرياض: مركز الملك عبدالله بن عبد العزيز الدولي لخدمة اللغة العربية. الشويرخ، صالح. (2017). قضايا معاصرة في اللسانيات التطبيقية. الرياض: مركز الملك عبدالله بن عبد العزيز الدولي لخدمة اللغة العربية. طعيمة، رشدي أحمد. (1986). المرجع في تعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى. (الجزء الأول). مكة. مطابع جامعة أم القرى. عبد السلام، خالد. (2016). العلاقة بين اكتساب اللغة الأولى وتعلم اللغة الثانية من منظور معرفي. مجلة عالم التربية. 27، 216-230. عثمان، عبد المنعم حسن الملك وجاسم، جاسم علي. (2013). مدخل إلى علم اللغة التطبيقي. الرياض: مكتبة الرشد. العصيلي، عبد العزيز بن إبراهيم (1999). النظريات اللغوية والنفسية وتعليم اللغة العربية. الرياض: مطابع التقنية للأوفست. العصيمي، صالح. (2019). اللسانيات التطبيقية قضايا وميادين. عمان: دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع. قورى، ذهبية. (2012). اللغة الأولى والثانية. مجلة الممارسات اللغوية. 14، 145-154.